التقدميون: تقدم السياسي وتخلف الإجتماعي

التقدميون: تقدم السياسي وتخلف الإجتماعي

 
لنقرع جدران الخزان
التقدميون: تقدم السياسي وتخلف الإجتماعي
أود بداية تأكيد احترامي وتقديري لكل النضالات والتضحيات التي قدمها رجال ونساء ما أسميه (الصف التقدمي) عِبر تاريخه، والذي يمتد لسنوات طويلة، ولست بمعرض التشكيك بصدق النوايا، او التعميم المُخّل، وما سافعله هو مجرد فحص أولي للممارسات التي ينبغي أن تعكس فكرة معروفة في الأوساط التقدمية، تقول (أن الوعي الثوري- المؤسس لعملية التغيير- لا يتحقق الا من خلال دور (الطليعة التقدميّة) من خلال أحزابها ومنظماتها مما يشكل ما أسميته ب(الصف التقدمي) الذي هو مكان تبلور الوعي ونشره، وهو أداه توعية الجماهير للعمل معا ( الطليعة والجماهير) من أجل إحداث التغيير المنشود، وهنا لا أتحدث عن الوعي السياسي وبمعنى ما الطبقي، بل أخص الوعي الإجتماعي الذي ينبغي أن يطال البنى الفوقيّة الحارسة للسلطة السياسية الإستبدادية، في ظروف التبعيّة والإرتهان للخارج، بما فيها البنى الدينيّة والأبويّة الإجتماعيّة، حيث الإستلاب الكامل لهذه القوى الذي يحول إذا لم يعالج دون إحداث التغيير…
وأقترح أن صفة (التقدميّة) ليست مجرد تسميّة، بل هي موقف مبدئي، وممارسة منسجمة مع هذا الموقف ومعبرة عنه….
لست بصدد – ومن هذا الموقع- تقديم دراسة منهجية للعنوان الذي طرحته، والذي سأطبقة على قضية النساء، كقضية سياسيّة إجتماعية، بل تقديم نتائج اولية لدراسة عدد كبير من الملاحظات جمعتها خلال فتره زمنية طويلة من التجربة والمشاركة والقراءات، ربما تكون مادة لدراسة ممنهجه لاحقا، هي مجرد ملاحظات في إطار نقد تجربة عمل الصف التقدمي، ومنها(تجربة اليسار)
النساء في ملاحظاتي هذه، هن النساء من كوادر الأحزاب التقدميّة والقريبات منها، ومنهن زوجات وبنات وأخوات كوادر حزبيّة إلتحقن بهذه الأحزاب لهذا السبب، لكنهن تبنيّن مواقف هذه الأحزاب – وهن الأغلبيّة في هذا الصف ( التقدمي) – ودفعن أثمانا عاليه من حريتهن ورزقهن الخاص (المنع من العمل والسفر بصفتهن الشخصية) وغير ذلك، عدا عن ما دفعنه كزوجات وأخوات وبنات، حزبيين مطاردين ومعتقلين ومحارَبين بأرزاقهم وحرياتهم، وبذلك يكون ما قدمنه مضاعفا على كل المستويات…
ومن النساء أيضا من إنتمين الى هذه الاحزاب او كن قريبات منها بحكم وعيهن وخيارهن الحر، ومن بينهن نساء ينتمين الى الفئات المهمشة ومثقفات ونقابيات وناشطات في الحركة النسائية والحقوقية، وغير ذلك – وهن الأقل بكل الاحوال…
السؤال: الى اي مدى شملت تقدميّة الرجال ووعيهم السياسي، وعيهم بقضية النساء؟ وممارسة هذا الوعي في سلوكهم اليومي مع النساء داخل الأسرة والتنظيم والنقابة وغيرها وصولا الى كافه أشكال العلاقات الاجتماعية الاخرى؟ والى أي مدى إستفادت هذه النساء من (تقدميّة) الرجال على المستوى الموقف الاجتماعي؟ وهل للنساء صوتهن المسموع داخل أحزابهن ومنظماتهن وداخل أسرهن؟
1- على المستوى الفكري: بداية نعرف أن التيار التقدمي بمختلف توجهاته القومية واليسارية لم يُعن بقضية النساء على المستوى النظري والتحليلي، حتى أن بعض القوى القومية تجاهلت كليّا قضية النساء على المستوى الفكرى، بإستثناء نموذج واحد فقط، قدمه المفكر الراحل منيف الرزاز في كتابة (التجربة المرة)، علما بان اليسار يملك – لو إهتم، وأراد – رصيدا فكريا ثمينا قدمته النظريتان النسويّتان الماركسيّة والأشتراكيّة، فضلا عن التجربة السوفيتية في بعض ملامحها، وإكتفى الجميع بواحدة من الخلاصات الشعاريّة ( تحرر المرأة يتم بتحرر المجتمع ) من دون وعي وتحليل ما سبق هذه النتيجة من مقدمات مهمة، وإكتفى بإدراج بنود عامة في برامجه، ومن دون فحص التجارب السابقة التي إستلهمت هذا الشعار، ومدى صدقيته على أرض الواقع بعد إنتصار الثورة، مثل تجربة الجزائر، تليها تجربة الإنتفاضة الفلسطينية الاولى ومؤخرا تجربة النساء السودانيّات….بذلك فوت التيار فرصة بناء وعي تغييري بقضية النساء بين كوادره من الرجال والنساء، وبالتالي إمكانيّة نشر هذا الوعي في المجتمع
2- على المستوى التنظيمي: وعلى الرغم من إنخراط النساء في قواعد التيار، بغض النظر أسباب انخراطهن، لم يتم تمثليهن في المستويات القيادية المختلفة الا بحدود ضيقة جدا، بإستثناء حالتين فقط وصلتا الى مواقع قيادية عليا، ولهما أوضاعمها الخاصة، كما ان الخلايا التنظيميّة وعلى مستوى القواعد بقيت غير مختلطة، فللنساء تنظيمهن المنفصل، وبذلك بقيت النساء حبيسات التنظيم النسائي، الذي غالبا ما كان يقوده رجل، وبذلك فوت هذا التيار على كوادره، فرصة بناء ثقافة التعارف والعمل المشترك وطرق التعامل وبناء العلاقات الصحيّة بين الجنسين، فضلا عن تفويته فرصة بناء الكوادر النسائية القادرة على المبادرة وإتخاذ القرار المناسب.
3- نتيجة ماسبق، لم يتم بناء ونشر ثقافة نسويّة بين الكوادر وفي القواعد، ثقافة تساهم في تطوير الوعي الإجتماعي،وتعقلن سلوك الرجال تجاه النساء، وتدفع العمل النسائي الى آفاق متقدمة قادرة على المساهمة بالنضال الحقيقي في سياق النضال العام، فيما بقيت النساء بعيدة عن معترك الإحتكاك الفكري والتنظيمي، غير قادرات على المبادرة الفعليّة أسيرات ما رسم لهن من أدوار، وتم الحفاظ عليهن كذراع للحزب او التنظيم في أوساط النساء، كنا نسميها (القوات التصويتية المحمولة) كما تفعل العشائر الآن، وهنا أذكر تجربة تنتمي الى صنف الكوميديا السوداء، تجربة تبيّن حجم سيطرة الرجال على مواقف النساء وبخاصة نساء العائلة (التقدمية) كنا مجموعة نرغب بإعادة منظمة نسائيّة الى العمل في ظل انشقاق عاصف لحزب كبير، فتواجد عدد كبير من كوادر الطرفيّن المنشقين، تقود الاولى زوجه …وتقود الثانية أخت…. وقامت القيامة، وعندما شعرنا نحن مجموعة من (لا ناقة لنا ولا جمل) وهمنا الوحيد إنقاذ الإجتماع وإستعادة المنظمة النسائية، إجتمعنا بالسيدتين اللتين نحبهما ونقدر مكانتهما النضالية، لكن الحديث أو بالاحرى الصراخ إنحصر في موضوع تعليمات الزوج والاخ (زوجك حكا هيك … لا إنت اخوكي حكا هيك) عندها هتفت بكل قوه، وأنتما ما ذا تقولان؟ وماذا عن إجتماعنا المهم؟ لم أتلق اي إجابة وفرط الإجتماع وذهبت محاولات إستعادة منظمتنا النسائية أدراج الرياح …
4- وبذلك بقي لكل شخص أن يبني وعيّه ويحدد ممارساته الإجتماعية بخاصة في الأسرة كما يرى، والملاحظ هنا أن من إستطاعوا تجاوز الثقافة الابوية الذكورية على الصعيد الإجتماعي ندرة، فيما بقيت الأغلبيّة الساحقة متمسكة بمواقف محافظة، تكاد تكون أكثر تعصبا من المحافظين التقلديين، إذ بقيت الأغلبية أسيرة مفهوم (الملكيّة الخاصة للمراة) ليس فقط على مستوى الجسد، بل أيضا على مستوى العقل والمشاعر، وبالتالي السيطرة على الموقف السياسي والإجتماعي والحياة الشخصيّة، ولدي من أمثلة هذه الممارسات الكثير، إذ كانت كثيرات من النساء داخل وخارج هذا الصف يشكون من ممارسات (التقدميين) من أفراد الأسرة، من الإصرار على القيام بالمهام التقليديّة وإتقانها، من طبخ وكنس وتربية الخ فضلا عن مهام العمل خارج المنزل، بالإضافة الى المهام الحزبية، مرورا بممارسات قمعية كثيرة، كالشك والغيرة وتقييد الحركة وإختيار نوع التعليم والعمل، وصولا الى حد ممارسة العنف اللفظي والنفسي وحتى الجسدي…
5- وتبقى مسالة التعامل مع الكوادر والقريبات من التيار من غير البنات والاخوات والزوجات، وغيرهن من النساء في مواقع متنوعة، ومنهن من قادهن وعيهن الى الإنتماء لهذا في هذا الصف أو العمل في دوائره القريبة…
من الضروري التأكيد بداية، أن المرأة التي تبني وعيّا مستقلا، يقودها الى اعلى مراحل متطلبات التغيير من خلال الانتماء الى تيارات العمل السياسي العام، هي إمراة وعت ذاتها بحق، وتناضل من أجل إستعادة حريتها على الصعيد الشخصي، وإستعادة وطنها على الصعيد العام، ولذلك غالبا ما تكون قد قدمت تضحيات هائلة، فحريتها التي مارستها بإختيار الموقف والإنتماء الى قضيّة وممارسة النضال على المستويات المتنوعة، هي حرية مدفوعة الثمن، من الدم واللحم والأعصاب، عِبر مخاضات عسيرة، لذلك غالبا ما تعرف ما تريد، وتعرف أن من حقها أن تقول نعم، بذات القدر الذي تقول به اللا، لذلك هي وفي كثير من الأحوال أكثر ثوريّة من كثير من الرجال، الذين لم يضطروا لمثل هذه المخاضات، لكن وللاسف أن هؤلاء من النساء، وحتى النساء بشكل عام، ممن كن خارج إطار الأسرة و(العشيرة) سيمثلن بالنسبة للرجال( التقدميين) في معظم الأوقات (مشروع ملكيّة خاصة) وأعود هنا الى ما قاله أحد الحزبين ( في الجامعة لم يتبق علينا الا ان نحجب النساء، ويا مصيبة لو أُكتٌشفت علاقة عاطفية لاحدى فتيات التنظيم، والمصيبة الأكبر لو كان المحبوب من تنظيم آخر) و يمثلن أيضا ( مشروع سرير مؤجل) كما عَبّرت احدى الصديقات، عدته لوك الجمل المعروفة عن الحرية والإستقلال وغير ذلك من عبارات الإستدراج، التي ستنتهي بالفتاة الى أول سرير، لتلاك هناك، ثم تبصق، كحبة علكه إنتهت حلاوتها…. وهنا أوكد ان هذه الفتاه قد تكون بسيطة التجربة مما سهل إستدراجها، او أنها تعي ما تريد، وغلطتها انها مارست حقها مع الشخص الخطأ، وهكذا إنتهى الامر بغالبيّة من الرجال (التقدمين) الى الطلب من الأمهات البحث عن عروس ( ما باس تمها غير امها) عندها سيكون هذا (التقدمي) مغفلا حقيقيا، لأن هذا النموذج غير متوفر وغير حقيقي.
أنتهي الى القول الى أن الصف التقدمي لم يؤد دوره على صعيد بناء الوعي بقضيّة النساء، لا على المستوى التنظيمي بين كوادره من الرجال النساء، ولا على المستوى الإجتماعي، لا بل حافظ بقصد أو بدونه على الإتجاهات المحافظة المعيقة للتغيير، لانه تجاهل الإقتراب من البنى الفوقية المتحالفه مع البنى السياسية الإستبدادية لا بل عزز بصمته وربما موافقته، إستبداد بقيّة السلطات المتحالفه معها، ومنها السلطتين الدينيّة والأبوية الإجتماعيّة
ومع العودة لتأكيد تقديري وإحترامي للنضالات السياسية والتضحيات الكبيرة التي قدمت من قبل قيادات وكوادر هذا التيار، لكنها محاولة لقرع جدران الخزان، قبل ان نختنق جمعيا برائحة عفن الممارسات مزدوجة المعايير، فاذا لم يقم هذا (الصف التقدمي) بوقفة حقيقية، وعملية نقدية صارمة، وإذا لم يعمل على توفير المرجعيّة الفكريّة، والممارسات الصحيحة والنبيله، للتخلص من ثقافة (الملكيّة الخاصة للمراة عقلا ونفسا وجسدا) فسنظل ندور في حلقة مفرغة من جدليّة تقدميّة السياسي وتخلف الإجتماعي وستظل حركتنا عرجاء لن توصلنا الى نهاية الطريق……
12 COMMENTS
  • By Syaak_caPt

    Bluehost: It is one of the most popular hosting providers, recommended by WordPress. They offer a user-friendly interface, excellent uptime, and 24/7 customer support. DreamHost: DreamHost is a well-established hosting provider, known for its solid uptime and fast-loading websites. They offer a wide range of hosting options, including shared, VPS, and dedicated hosting. http://webward.pw/.

    /
  • By Lamaden

    I want to show you one exclusive program called (BTC PROFIT SEARCH AND MINING PHRASES), which can make you a rich man! This program searches for Bitcoin wallets with a balance, and tries to find a secret phrase for them to get full access to the lost wallet! Run the program and wait, and in order to increase your chances, install the program on all computers available to you, at work, with your friends, with your relatives, you can also ask your classmates to use the program, so your chances will increase tenfold! Remember the more computers you use, the higher your chances of getting the treasure! DOWNLOAD FOR FREE Telegram: https://t.me/btc_profit_search

    /

اكتب تعليقك