تحول اجتماعي: أم ثورة

تحول اجتماعي: أم ثورة

 

التحول الاجتماعي عوائقه وامكانياته عنوان ندوة المنبر التقدمي الديمقراطي المستقل رقم 67 تحدث فيها عبد الصادقي بو مدين عضو اللجنة المركزية لحزب التقدم والاشتراكية المغربي، وعقب على مداخلته الدكتور مضر قسيس استاذ الفلسفة في جامعة بير زيت

ركزت مداخلة الرفيق عبد الصادقي بومدين على معوّقات التحول، بعد ان اشار الى ان التحول الاجتماعي هو مفهوم تاريخي، يختلف عن مفهوم الثورة، اذ ان الثورة تقتضي القطيعة مع ماهو قائم، بينما يحدث التحول الاجتماعي ضمن سيرورة متواصلة، ولكن المشكلة في تحديد مسارات هذا التحول بالامكانيات المتاحة او المعيقات…..

وتطرق الى مفهوم الوطن العربي وقال انه مفهوم ميتافيزيقي، قد ينطبق على بعض دول المشرق، لكنه لا ينطبق على دول المغرب لان شعوبها ليست عربية، مشيرا الى الاصل الامازيغي لمعظم سكان الدول المغاربية، واضاف انه حتى في دول المشرق هناك اختلافات عميقة بين الدول التي تعود الى طبيعة البنى الاقتصاديّة والثقافيّة، وأن تَحَدث الجميع باللغة العربية غير كاف، وفيما تختلف امكانيات التحول الاجتماعي بين مجتمع واخر، لكن قد تلتقي اكثرية هذه الدول بمعوقات التحول الاجتماعي….

ويضيف ان اشكاليّة التحول الاجتماعي ليست جديدة، بل نوقشت من قَبل في إطار جدليّة التخلف والتنميّة، وظهرت الكثير من النظريات حولها في اميركا اللاتينية، كما تطرقت لها كتابات سمير امين ومهدي……

وكي يصل الى تحليله يعتمد  كتابات يساري مغربي هو عبد العزيز بلال الذي يعتبره مؤسس الفكر الاقتصادي المغربي، ليعتمد نظريته التي اوردها في كتابه الاخير ( العوامل غير الإقتصادية للتنميّة) اذ يقول انه وعلى الرغم من اهمية العامل الاقتصادي في احداث التنمية الا ان هناك الكثير من العوامل غير الاقتصاديّة المؤثرة واهمها الايدولوجيّا والثقافة بمعناها الشامل….

وهو يعتبر ان التخلف الذي نعيشه هو مسلسل سسيوتاريخي تشكل بالتدخل الاستعماري الذي هو من طبيعة راسمالية، فحول مسارات تحول البُنيات ما قبل الراسمالية بما يحقق مصالحه وينسجم مع التجربة الغربية، الامر الذي لا يمكن تطبيقه في منطقتنا، لانه لا يمكن اعادة انتاج التجربة الاوروبية التي ادت الى الراسمالية، وبذلك فان مسار التحول عندنا لا يمكنه اعادة انتاج النمط الراسمالي، لاننا لدينا تشكيلات لا يمكن ان تصل بنا الى المجتمع الراسمالي المتقدم، وهذا ما قصده مهدي عامل بنمط الانتاج الكولنيالي، ويقول ان التدخل الاستعماري الاهم هو تقديم انماطا جديدة للسلوك والاستهلاك والثقافة ،لم تكن مجتمعاتنا مؤهلة لاستيعابها، فأحدث في مجتمعاتنا صدمة قوية أدت الى العودة الى التراث والتمسك بمفرداته، بحثا عن أمن سيكولوجي روحي،  ونحن كيسار لم نحفل بهذه الصدمة وما أدت اليه من عودة وتمسك  بالتراث ولم ندرسها، ونحللها ديالكتيكيا، وكان هذا العائق هو العائق الاول امام احداث التحول الاجتماعي بطابعه التقدمي….

ثم تابع بايراد عوائق اخرى، منها: قيام دولة العدو التي لم تؤثر على الشعب الفلسطيني لوحده، بل في كل المنطقة وبخاصة دول المحيط التي قدمت اولويات المواجهة على احداث التحول الاجتماعي ، ومن المعيقات ايضا: ( حكم العسكر)  والديكتاتوريات العسكرية لفترات طويلة والتي ادت الى ولادة برجوزايات عسكريه عن طريق الزبائنية والتحكم بالمال والسلاح وهو يعتبر ان حكم العسكر اخطر بكثير من حكم الاسلام السياسي….  

وفي مناطق اخرى ذات الاقتصاد الريعي ( دول الخليج)  تم شّل دور البرجوازية الوسطى والتحكم بها، فأصبحت خادمة للريع والبترودولار، حتى خارج حدودها، وهكذا لم تؤد البرجوازية دورها كطبقة متنورة في قيادة عمليّة التحول الاجتماعي… فضلا عن اغراق المجتمعات بالانقسامات الطائفيّة والمذهبيّة والعرقيّة والعشائريّة بحيث اصبحت هذه الولاءات بديلا عن الانتماء الطبقي والوطني…   

ومن ثم تاتي العوامل الذاتية الخاصة بالمجتمع، فمن جهة ضعف الانتماء الطبقي من ثم الوعي الطبقي، والعوامل الخاصة باليسار نفسه، الذي يعاني من مشكلات عميقة منها ضعف نفوذ اليسار وتاثيره وتقبله رغم تضحياته الكثيرة، كذلك عجز اليسار عن انجاز التحليل العميق للواقع الاجتماعي وفهم طبيعة المجتمع واحيانا العزلة وممارسة الفوقية بخاصة تجاه موضوعة الدين والتدين، فضلا عن انقسامات اليسار وتناسل المنظمات بشكل غير مفهوم ومبرر لننتهي الى ان اليسار لم يفهم حقيقة المجتمع ولم يتصالح معه….

وفي معرض شرحه لازمة اليسار قدم تجربة حزبه في التعامل مع النظرية والواقع، وركز على اهمية التصالح مع الدين وقبول المَلكيّة كنظام حكم، بعد تغيير مفردة ( الشيوعي) من اسم الحزب، مع الاحتفاظ بجوهر النظريّة واداتها الديالكتيك،  وبالتالي التمكن من فهم أكثر دقة للمجتمع، والتَّمكن من الاقتراب من الجماهير ومعايشتها، وبناء تحالفات واسعة، الامر الذي على قوى اليسار إقامتها مع اوسع طيف من الحركات المدنيّة كحركات البيئة وحقوق الانسان والنساء وغيرها، بما في ذلك بعض حركات الاسلام السياسي

الدكتور مضر قسيس استاذ الفلسفة في جامعة بير زيت قدم مداخلة اكد فيها ان ماركس لم يختزل مسائل التحول بالاقتصاد فقط…. واضاف ان تعداد المعيقات كما قدمها الرفيق يمكن ان  يؤدي الى استخراج نتائجها عبر علاقة او عملية ميكانيكية، والواقع يظهر ان الاهمية تكمن في الجوهر وليس في التفاصيل،  لذلك يجب البحث عن العلاقة الدياكتيكية المتفاعلة  بين كل هذه المعوقات، والنتائج المترتبة عليها، واضاف ان هناك مفاهيم لم تحدد عن نحو اكثر وضوحا كمفهوم التحول الاجتماعي، والذي لا يوجد له نموذج واحد، اما موضوع الوطن العربي والاقليات العرقية فقال ان الفاصل بين انسان واخر هو واقعه وقدرته على المساهمة في بناء مجتمعه، وليس اصله العرقي، وينطبق هذا على العشائري والطائفي والمذهبي واضاف ان مصطلح العالم العربي قد يحل هذه الاشكالية، اما عن عملية التحول فاشار الى القوى ذات المصلحة بالتغيير، وتختصر بنموذجين الاول: تريده وتصيغه القوى المهيمنة، الناتجة عن تحالف السلطة السياسيّة وراس المال والموسسة العسكرية والموسسة الدينيّة، هو التحول الرجعي،  والنموذج التقدمي الذي يحقق مصالح المجتمع، ويتطلب تحرير عملية التحول من كل مظاهر الهيمنة، ويؤسس على الوعي الطبقي،  وهنا ينقسم المجتمع الى فئتين فئة المضطَهِدين والمُضطَهَدين وكل من هاتين الفئتين تقدم نموذجها للتحول….

لقد اثارت هذه المداخلة الكثير من الاسئلة لكن و من وجه نظري المتواضعة اجد ان الرفيق عبد الصادقي بومدين وفي سياق عرضه للمعوقات لم يشرح العلاقة الديالكتية بين هذه المعوقات باعتبارها عناصر لا-اقتصادية وعنصر الاقتصاد الكامن حكما في جوهرها  

كما انه في تركيزه على التراث واستخراج ما يساعد على اجراء التحول من ثناياه المغرقة في التاريخ، والمصالحة مع الدين، واقامة التحالفات الواسعة مع بعض تنظيمات الاسلام السياسي، لم يشرح الابعاد التقدمية في هذه العناصراو كيف تستخرج، وامكانية التصالح معها؟ كما لم يبين السقوف التي تعتمدها هذه المنظمات عند تعاملها مع اليسار في ظل براغماتيتها المعهودة والتي كثيرا ما تقودها الى التحالف مع قوى الهيمنة والتخلي عن تحالفاتها

وتظل قضية الاعتراف بالمَلَكية كنظام حكم ويسارنا يواجهه شبيهتها في سياق قوننة العمل الحزبي، قضية تحتاج الوقوف عندها طويلا ، كذلك قضايا مثل التخلي عن الشعارات والاندماج العميق في واقع الجماهير ذات المصلحة باجراء التحول

ويبقى السوال الاهم وبما ان التحول عملية قائمة بحكم الطبيعة والتاريخ هل نكتفي كيسار باجراء بعض التغيير في مسارات هذا التحول وننتظر النتيجة،  او اننا بحاجة الى ثورة حقيقية تقطع مع التجارب الماضية بعد تحليلها ودراستها بعمق؟