صندوق باندورا

صندوق باندورا

 

بعدما أنجزت رقمنة كل ما ينبغي رقمنته وتنفست الصعداء اكتشفت مغلفا منسيا في قاع احدى خزان المكتبة، لم أتصور محتوياته، وما انت فتحته وبذات بتقليب محتوياته حتى اكتشفت انني فتحت صندوق باندورا الذي ما ان يفتح حتى يقذف ما في جوفه من شرور لتبقى الحزمة الأخيرة هي الامل

الشرور في صندوقي مختلفة، هي موجات متتالية من الحنين والم الذكريات، مجموعة كبيرة من الرسائل تبادلتها مع أصدقاء على مدار سنوات مع صديقات وأصدقاء، ادبيات وادباء رسائل جمعت بين الخاص الذاتي والعام الإبداعي، منها ما هو طريف، ومنها ما فتح جروحا ظننت انها اندملت، والاهم استعادة روح الشغف التي اثارتها نقاشات راقية حول قضايا الادب والفن، تأملت كومة الرسائل والأوراق، تساءلت بسري اين هم الان؟ ولم أستطع الإجابة فكلهم بين من رحل عن هذه الدنيا ومن بقوا توقف التواصل معهم

  • عشرات الرسائل همست لي القاعدة هي الرحيل ولا استثناء
  • شوقي بغدادي شاعر سوري جميل تسعيني يواجه السنين بالشعر، رسائله من النوع الذي يبعث على حنين مختلف، حنين لا يخلو من جمال ومحبه، بخاصة عندما تكون المراسلات حول كتابة القصة ….

      جمعتني به صداقة قوية، وكثيرا ما كنا نلتقي على فنجان قهوة في عمان وبيروت ودمشق، أجريّت معه أكثر من مقابلة صحفية، وكنت في كل مرة احضر درسي جيدا، وكأنها مقابلتي الاولى، قبل فترة قصيرة احتفل بعيده السادس والتسعين، (بالصحة والسلامة) اتخيل جمال هذا العمر الحافل بالشعر، المعطر بياسمين دمشق، رغم الزنانين التي اكلت من عمره شطرا لا بأس به….

  رسائلنا المتبادلة كثيرة، وقيمتها فيما احتوت من اراء ومواقف ونصائح     

في الادب والفن والسياسية…. شوقي بغدادي شاعر كبير علمني الكثير

  • حلا ابنتي بقدر ما منحتني القوة لمواجهة الحياة الصعبة كأم عزباء بقدر ما منحتني السعادة، لكنها اعادت لي لحظات ابكتني مرة اخرى

من صندوق باندورا استعدت مجموعة رسائل منها وهي طفلة، ومن هذه الرسائل، واحدة تطلب مني ان لا ابتعد عنها لأنها لا تعرف النوم بدوني وتتمنى ان ترافقني حين اسافر، لكنها عنونت الرسالة بالكاتبة المشهورة سهير التل

اليوم بعد ان اصبحت تيته، ابكتني، لكن دموعي مزيج من دموع فرح لنجاح حلا وتقدمها في حياتها، وحزن على لحظات سعيدة مرت دون ان ننتبه

 ومن لحظات حلا تلك التي تذكرني بالسجن وعلاقتي الغريبة معه والتي انتجت حكايات وحكايات، كثير منها مسجل على أوراق صندوقي العجيب، من هذه الحكايات احتفال ابنتي حلا بإطفاء شمعتها الأولى على شبك (سجن المحطة) لتكون مع ابيها ورفاقه وهي تطفئ شمعتها الأولى….

الرفيق الراحل الشاعر سهيل السيد احمد، الصديق، النبيل الذي لم يترك حلا طيلة فترة اعتقال والدها، لم يمرر هذه الحكاية فكتب قصيدة طويلة بعنوان (حلا)

أقتطف منها هذه الابيات

حلا طفلة والمرايا ضبابٌ ويوم تعب.

وقلبي تشظي على بيدر العمر

ارجوحة الطير… كدح الدوالي…. وبوح العنب

مدى العمر كأس إذا اترعته الليالي انسكب

وما الحب غير إتلاف الزهور وجمع الفصول وقلبٌ وثبٌ

فيا صاحب السجن قلبي لقلبي هرب

خريف بليل وحزن سهيل ونجم يطرز ثوب القصب

ها نحن نمضي على شفرة الدرب بين الصليب وبين العتب.

…..

  • وكما تثير محتويات هذا الصندوق الكثير من الحنين المؤلم احيانا، ثمة ما يثير الفرح، وينشر الابتسامات، مراسلاتي مع كاتب مهضوم، تبادلت معه رسائل كثيرة، وغير الألقاب المضحكة التي كان يسبغها على بكرم، كانت مشكلته عدد ردودي غير متوافقة مع عدد رسائله غالبا، وأحيانا يحدث العكس، فصار يرسل لي مع كل رسالة طابع بريد مناسب كي أرد بسرعة، والان عندي ثروة من طوابع البريد القديمة.

 

  • من طرائف المراسلات الألقاب التي يغدقها أصحاب الرسائل بخاصة الادباء، هؤلاء الأكثر اهتماما بالألقاب ويغدقونها بكرم كبير، حقيقة ان معظم رسائلي تعتمد أسلوب مخاطبة رصين، لكن بعض الرسائل تضمنت القاب لا أدرى كيف تشكلت في مخيلتهم، من هذه الألقاب: اميرة الطفولة، شجرة اللوز، الطفلة المشاغبة، صاحبة الجنون الجميل، النحلة، …. عبارة واحدة استوقفتني طويلا، لقب (امرأة من غبار) ابتسمت فقد تذكرت ان مطلق اللقب، لم يكن يدرك حينها انني ان اردت، اتحول بالفعل الى امرأة من غبار بركاني حارق معجون بمياه ينابيع تغلي…..

 

اغلق صندوقي على ما تضمنه من مطارحات أدبية ومشاعر حنين وفرح…..