
اكثر ما لفتني في قصة اضافة (الاردنيات) للمادة السادسة من الدستور، وطوشة مجلس النواب المفتعله،. التعليقات التي طالت اتفاقية السيداو والزعم انها تهدف الى اشاعة الانحلال الاخلاقي وهدم الاسرة وتفكيك المجتمع….
بداية اود التاكيد، كعاملة في حقل حقوق النساء وقضاياهن، انني لست من دعاة اسقاط الحلول الغربية على مجتمعنا دون دراسة وتحليل، لا بل ادعو دائما الى ضرورة ايجاد مرجعية فكرية نظرية، يتفاعل فيها المنتج العربي مع المنتج الانساني التقدمي، نستطيع من خلالها استنباط الادوات المفاهيمية، الملائمة لتحليل اوضاع النساء، وايجاد الحلول لمشكلاتهن،…علما اننا وعندما نتهم النسويَّات اوبعضهن بالتغريب، نتجاهل حالتنا المغرقة بالاستهلاكية السلبية الى حد الغباء، لكل ما يمس حياتنا اليومية على مستوى الفرد والمجتمع والدولة، من الملبس والمأكل حتى بنيّة الدولة وهلم جرا…. ولا يتم الاعتراض على ذلك كله، اوحتى التفكير به، مما يعكس حالة فصام مجتمعي خطيرة .
بالعودة الى اتفاقية السيداو اقترح ان كل مايزعم ليس جديدا فكلما ( طق الكوز بالجرة) يطلع علينا من المجتمع من (يدب الصوت) خوفا على الاسرة والمجتمع، واتساءل هل قُرات هذه الاتفاقية بدقة، واين هي المواد التي تدعو او ستؤدي الى تفكيك الاسرة، لانتهي الى الظن بان معظم أصحاب هذه المقولات لم يطلعوا على الاتفاقية ببنودها كافة…. او انهم اطلعوا لكن وراء الأكمة ما وراءها…..
باختصار:
ولفهم طبيعة الاعتراضات ساعود الى التحفظات التي سجلها الاردن عند التوقيع، الا انه عاد وسحبها، سنة 2000 الا ان هذه التحفظات بقيت عالقة في الاذهان لتشكل مرجعية للاعتراضات المجتمعية المستمرة…..
والتحفظات هي:
-البند الثاني من المادة التاسعة التي تمنح النساء حق منح جنسيتهن لاولادهن، اظن ان هذا الرفض يقوم على اسباب سياسية وليست حقوقية، ويتعلق بالقلق من تغيّر التركيبة الديمغرافية للمجتمع الاردني، وهذا هو جوهر المشكلة، بغض النظر عن الحجج التي يتم سوقها، وهذه مسالة بحاجة لنقاش معمق وموضوعي بعيدا عن الهواجس والتوترات والنزعات الاقليمية عند هذا الطرف او ذاك…
– المادة 15 والتي تنص على المساواة في الاهلية المدنية والقانونية والفقرة ب التي تنص على المساواة بالقوانين التي المتعلقة بحركة الاشخاص وحق اختيارهم لمكان سكناهم واقامتهم، واظن ان الاعتراض هنا نابع من إعتبار النساء هن (محل الشرف الوحيد) وأنهن السبب الوحيد (للإنحراف) وان أفضل وسيلة لدرء هذه المخاطر القادمة (من حرية النساء الشريرات بطبعهن) هي الحد من حرية حركتهن، لأضيف انه آن الاوان للتخلص من هذه الافكار البائدة القادمة من ثقافة مجتمعية رجعيّة، لا زالت تبارك قتل النساء بدواعي الشرف، والشرف من القتلة بريء….
اما المواد المتعلقة بالاسرة والتي تضمنتها المادة 16 والتي تتلخص بضمان المساواة بين الرجال والنساء في المسائل المتعلقة بالزواج، فأنصح باعادة قراءتها بدقة، والكشف عن مواطن تدمير الاسرة، لاني بصراحة لم الاحظها، بل اظن انها مواد تكفل قيام اسرة سويّة انسانيا، وتعيد لمؤسسة الزواج القها واحترامها، الا اذا اخذنا بالاعتبارمواقف من يعتقدون ان الزواج عملية تجارية يقدم الطرف الاقوى (الرجل) فيها المال، مقابل الطاعة وبقية الخدمات النهارية والليلية، من الطرف الاضعف (المراة) فينزعون من الزواج انسانيته وديمومته….
لأخلص الى ان الاعتراضات على الاتفاقية، تنبع من الفكر المحافظ الذي يرى فيها -اذا ما نفذت- اخلالا بموازين القوة القائمة لصالح جنس دون اخر، فضلا عن مساسها بمصالح تحالف الرجعية السياسية والمجتمعية مع راسمال التابع، وبخاصة في البنود المتعلقة بحقوق التعليم والعمل والضمان الاجتماعي والصحي، التي تمس بقوة مصالح قوى المال والفساد وغيرها من قوى الهدم القائم….
ولتاكيد ذلك اعيدكم الى أسباب عدم موافقة الكونجرس الاميريكي على المصادقة على الاتفاقية، والحملات التي قادها عضو الكونجرس الصهيوني المحافظ جيسي هليمز، وغيره، لرفضها وساقوا ذات الحجج التي يتم تداولها عندنا….
لانتهي الى ان على من يعارض اتفاقية السيداو -وهذا حقه- الاعلان صراحة عن اسباب المعارضة السياسية والاقتصادية وتلك المتعلقة بحسابات السيطرة والقوة، في مجتمع لا يملك الرجال فيه امكانية الاعتراض على حقوقهم المسلوبة، لكنهم يستقوون على النساء تعويضا عن الروح المهزومة ازاء تغول السلطات السياسية والاقتصادية، ففي مجتمعنا الكل مضطهد، والكل مستلب الحقوق، لكن المراة تبقى (مضطهدة المضطهد) وعلينا الاعتراف بذلك، ويكفي التذرع بمقولات نبيلة كالحفاظ على الاسرة وغيرها…..
وسامحونا